مجمع البحوث الاسلامية
600
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
دنياهم وعقباهم ، من عقيدة حقّة أو عمل صالح أو كليهما . والبشرى بالنّبيّ بعد النّبيّ وبالدّعوة الجديدة بعد حلول دعوة سابقة واستقرارها والدّعوة الإلهيّة واحدة ، لا تبطل بمرور الدّهور وتقضّي الأزمنة واختلاف الأيّام واللّيالي ، إنّما تتصوّر إذا كانت الدّعوة الجديدة أرقى فيما تشتمل عليه من العقائد الحقّة والشّرائع المعدلة لأعمال المجتمع ، وأشمل لسعادة الإنسان في دنياه وعقباه . وبهذا البيان يظهر أنّ معنى قوله عليه السّلام : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي إلخ ، يفيد كون ما أتى به النّبيّ أحمد صلّى اللّه عليه وآله أرقى وأكمل ممّا تضمّنته التّوراة وبعث به عيسى عليه السّلام ، وهو عليه السّلام متوسّط رابط بين الدّعوتين . ( 19 : 252 ) عبد الكريم الخطيب : جاء في هذه السّورة - سورة الصّفّ : 6 - قوله تعالى على لسان المسيح : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . هذا ما جاء به القرآن ، على لسان المسيح إلى بني إسرائيل ، مبشّرا إيّاهم بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وهو اسم « محمّد » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّ كلا الاسمين مشتقّ من الحمد ، فهو صلوات اللّه وسلامه عليه أحمد ، ومحمود ، ومحمّد . وإذا كانت الأناجيل الأربعة المتداولة اليوم قد خلت من هذه البشرى على وجه صريح ، فإنّ ذلك لا ينقض ما جاء به القرآن الكريم ، في الآية السّابقة ؛ إذ القرآن هو الحجّة القائمة على ما سبقه من الكتب السّماويّة ، لأنّه آخرها ، وضابط محكمها ، والمهيمن عليها ، كما يقول سبحانه وتعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ المائدة : 48 . والإنجيل الّذي يتحدّث عنه القرآن هو كتاب واحد ، ولكنّ الّذي في أيدي النّاس اليوم ليس إنجيلا واحدا ، وإنّما هو أربعة أناجيل ، وقد كان في وقت مّا خمسة وسبعين إنجيلا . وقد وقع خلاف فيما بينها ، لأنّها لا تعتمد على أصل واحد ، ولا ترجع إلى الإنجيل الّذي أنزل على المسيح عليه السّلام ، وإنّما هي مرويّات تتحدّث عن السّيّد المسيح ، وعن سيرته وأخباره ، فيما يرويه عنه بعض حواريّيه ، أو من اتّصل بحواريّيه وسمع منهم وتتلمّذ عليهم ، وفي هذه السّيرة عبارات من عظات السّيّد المسيح ووصاياه ، وقد يكون فيها بعض آيات من الإنجيل السّماويّ ، كان السّيّد المسيح يضمّنها عظاته ووصاياه . وإذن فالأناجيل الّتي ذكرت سيرة السّيّد المسيح ، تختلف في تشخيص شخصيّة السّيّد المسيح ، وفي تناول مواقفه ، وفي نقل عباراته وكلماته ، باختلاف الكتّاب الّذي كتبوا هذه السّيرة ، ونفضوا عليها من عواطفهم ومشاعرهم ، ومن ألوان ثقافاتهم ، ما جعل الأناجيل تختلف هذا الاختلاف ، كما يختلف إنسان عن إنسان في تفكيره ، وفي تصوّره للأحداث . وليس من همّنا هنا دراسة الأناجيل دراسة تاريخيّة ، محقّقة للإنجيل السّماويّ ، أو الأناجيل الّتي